محمد محمد أبو موسى

681

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

عند العرب وما كان فيهم من التحارب والتغاور فهو كالمحسوس عندهم فلذلك قال فيه « يَشْعُرُونَ » ، وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقا ، فقال « يَعْلَمُونَ » « 163 » . وهذا مأخوذ من قول الزمخشري : « فان قلت : لم فصلت هذه الآية ب « لا يَعْلَمُونَ » والتي قبلها ب « يَشْعُرُونَ » ؟ قلت : لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة ، وأما النفاق وما فيه من البغى المؤدى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبنى على العادات معلوم عند الناس خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب فهو كالمحسوس المشاهد ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل ، فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا » « 164 » . [ كتاب الجامع الكبير : ] والذي يقرأ كتاب الجامع الكبير لابن الأثير يجد فيه قدرا كبيرا من هذه التحليلات البلاغية العالية التي أخذها من كتاب الكشاف ، وأكثر هذه التحليلات المذكورة في الجامع مذكورة كذلك في المثل السائر ، من هذه التحليلات قوله في الالتفات بعد ذكر قوله تعالى : « قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » « 165 » - وهو مثال للرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر - يقول ابن الأثير : « ولم يقل « أشهدكم » ليكون موازنا له وبمعناه لأن اشهاد اللّه على البراءة من الشرك صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشد معاقده ، وأما اشهادهم فما هو الا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ، ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما ، وجئ به على لفظ الأمر كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه : اشهد على أنى أحبك تهكما به واستهانة لحاله » « 166 » .

--> ( 163 ) الكشاف ج 3 ص 303 ، 304 ( 164 ) الكشاف ج 1 ص 49 ( 165 ) هود : 54 ( 166 ) الجامع الكبير لابن الأثير مخطوط بدار الكتب وغير مرقومة صفحاته .